ابن قتيبة الدينوري

42

الإمامة والسياسة ( بيروت )

ما وراءك يا غضبان ؟ قال : شرّ طويل ، تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك . ثم انصرف من عنده [ ( 1 ) ] ، فنزل رملة كرمان ، وهي أرض شديدة الحرّ ، فضرب بها قبة وجلس فيها ، فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابيّ من بكر بن وائل على قعود ، فوقف عليه وقال : السلام عليك . فقال له الغضبان : السلام كثير ، وهي كلمة مقولة . قال الأعرابيّ : من أين أقبلت ؟ قال : من الأرض الذلول . قال : وأين تريد ؟ قال : أمشي في مناكبها ، وآكل من رزق اللَّه الّذي أخرج لعباده منها . قال الأعرابيّ : فمن غلب اليوم ؟ قال الغضبان : المتقون . قال : فمن سبق ؟ قال : حزب اللَّه الفائزون . قال الأعرابيّ : ومن حزب اللَّه ؟ قال : هم الغالبون . 258 فعجب الأعرابيّ من منطقه ، وحضور جوابه . ثم قال : أتقرض ؟ قال الغضبان : إنما تقرض الفأرة . قال : أفتنشد ؟ قال : إنما تنشد الضالة . قال : أفتسجع ؟ قال : إنما تسجع الحمامة . قال : أفتنطق ؟ قال : إنما ينطق كتاب اللَّه . قال : أفتقول ؟ قال : إنما يقول الأمير . قال الأعرابيّ : تاللَّه ما رأيت مثلك قط . قال الغضبان : بل رأيت ولكنك نسيت ، قال الأعرابيّ : فكيف أقول ؟ قال : أخذتك الغول ، في العاقول [ ( 2 ) ] ، وأنت قائم تبول . قال الأعرابيّ : أتأذن لي أن أدخل [ ( 3 ) ] عليك ؟ قال الغضبان : وراؤك أوسع لك ، قال الأعرابيّ : قد أحرقتني الشمس . قال الغضبان : الآن يفيء عليك الفيء إذا غربت . قال الأعرابي : إن الرمضاء قد أحرقت قدميّ . قال الغضبان : بل عليها تبرد . قال الأعرابيّ : إن الوهج شديد . قال الغضبان : ما لي عليه سلطان . قال الأعرابيّ : إني واللَّه ما أريد طعامك ولا شرابك . قال الغضبان : لا تعرّض بهما ، فو اللَّه لا تذوقهما . قال الأعرابيّ : وما عليك لو ذقتهما ؟ قال الغضبان : نأكل ونشبع . فإن فضل شيء من الأكرياء والغلمان ، فالكلب أحقّ به منك . قال الأعرابيّ : سبحان اللَّه ! قال الغضبان : نعم ، من قبل أن يطلع رأسك وأضراسك إلى الدنيا ، قال الأعرابيّ : ما عندك إلا ما أرى ؟ قال الغضبان : بل عندي هراوتان أضرب بهما رأسك حتى ينتثر دماغك . قال الأعرابيّ : إنا للَّه و إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ . قال الغضبان : أظلمك أحد ؟ قال الأعرابيّ : ما أرى . ثم قال الأعرابيّ : يا آل حارث بن كعب ، فقال الغضبان : بئس الشيخ ذكرت . قال الأعرابيّ : ولم ذلك ؟ قال الغضبان : لأن إبليس يسمى حارثا . قال

--> [ ( 1 ) ] في مروج الذهب 3 / 180 دخل مع ابن الأشعث في أمره . [ ( 2 ) ] العاقول : نبات تأكله الإبل . [ ( 3 ) ] في مروج الذهب : أدنو إليك .